كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

نظيرة جنبلاط: جسر بين تاريخين!

Sat,Mar 21, 2015

قرأت كتاب الدكتور شوكت إشتي * عن الست نظيرة جنبلاط بمنظار أكاديمي، فوجدت بين صفحاته بحثا علميا راقيا، مطابقا للمعايير المنهجية والأكاديمية.

حدّد المؤلف منذ البداية الهدف الذي سعى إليه في كتابه، وهو إظهار كيفية نجاح الست نظيرة في الإمساك بقيادة الغرضية الجنبلاطية والمحافظة عليها، في ظروف وطنية وطائفية فائقة الصعوبة. وقد تمكن في كتابه، بالفعل، من إظهار إعجازها، كامرأة غير متعلمة في مدرسة أو جامعة، تنجح في قيادة مجتمع ذكوري، ديني وتقليدي ومحافظ.


أودّ التوقف في هذه العجالة أمام نقطتين مركزيتين في تجربة نظيرة جنبلاط، الأولى هي موقعها المهم في تاريخ "الغرضية الجنبلاطية"، والثانية هي موقفها المثير للجدل من الثورة السورية، الذي كثيرا ما فسر تفسيرا سطحيا على أنه تعبير عن ولائها للفرنسيين.
شكلت قيادة الست نظيرة، بالنسبة إلى نفوذ وزعامة آل جنبلاط، جسرا حيويا بين تاريخين، كان من الصعب استمرار دور المختارة بدونه. فقد أجبرت على تولي القيادة بعد اغتيال زوجها فؤاد جنبلاط وسط تحديات وصعوبات كانت تحيط بالموقع السياسي لذريته، وفي أجواء منافسة من زعامات درزية أخرى، وشخصيات من العائلة الجنبلاطية نفسها.


واجهت المختارة على مدى قرن ونصف القرن قبل الست نظيرة ظروفا متباينة، ولكنها اتخذت، بشكل عام، منحى تراجعيا في درجة نفوذ المختارة وقوّته. فبعد معركة عين دارة سنة 1711، وانتصار الحزب القيسي، صعد نفوذ آل جنبلاط في جنوب جبل لبنان صعودا كبيرا، وتعاظمت ثروتهم، حتى أصبحوا "هم الذين يحكمون لبنان" على حدّ قول كمال جنبلاط.


ولكن التاريخ كان يسير في منحى معاكس، ويشهد مجموعة من الأحداث المتلاحقة التي أدّت بالنتيجة إلى ما يسمّيه ايليا حريق "التحوّل السياسي في تاريخ لبنان الحديث"، مشيرا إلى انتقال النفوذ من آل جنبلاط الدروز إلى الأمير الشهابي.


بسط الأمير يوسف الشهابي نفوذه "والتزامه" على جبل لبنان الشمالي، أي ما بعد جسر المعاملتين، بعدما قضى على نفوذ آل حمادة الشيعة، مما غيّر البنية الديموغرافية للإمارة. وقد سبق ذلك إصلاح الكنيسة المارونية بعد مجمع اللويزة سنة 1736، ممّا أهّلها للإمساك بناصية القيادتين الدينية والسياسية للطائفة المارونية. وتعاظم الدور السياسي للمدبرين، وعقد في مطلع القرن التاسع عشر حلف مقدّس بين البطريرك الماروني والأمير بشير الشهابي.


توّجت هذه التطوّرات بحكم ابرهيم باشا الذي كان منحازا ضد الاقطاعيين الدروز. وقد استعاد هؤلاء، بقيادة سعيد جنبلاط، موقعهم خلال الأحداث الطائفية التي شهدها جبل لبنان في أواسط القرن التاسع عشر، لكن الفتن الطائفية انتهت بقيام نظام المتصرفية، الذي لم يكن ملائما بتاتا للإقطاعيين الدروز، لأنه، من جهة، ألغى الامتيازات الاقطاعية في جبل لبنان وأدّى، من جهة أخرى، إلى تراجع نسبة الدروز بين السكان.


منذ قيام المتصرّفية، لم يعد النفوذ الاقطاعي مصدرا للسلطة، بل أصبحت المناصب العليا التي تغدقها الدولة على أبناء البيوتات الكبيرة عنصرا مؤثرا في التوازنات القائمة في المجتمعات الطائفية. وهكذا بات للمختارة منافسون كثر، من أهل البيت ومن العائلات الدرزية الأخرى النافذة.
في هذه الظروف تسلمت الست نظيرة زعامة الغرضية الجنبلاطية. ولو هي اختارت بعد اغتيال زوجها، أن تتقوقع وتنزوي في قصرها، لكونها امرأة، فتمتنع عن قبول التحدّي والإمساك بالقيادة، لغابت المختارة عن الحياة السياسية عقدين من الزمن، وهي مدّة كافية لكي يتألب عليها المنافسون ويضعفوا موقعها السياسي الموروث. ولو لم تمارس سياسة براغماتية بتحالفها مع الفرنسيين، لتراجعت المختارة وتقدّم أخصامها، نظرا لتأثير السلطة في تحديد الأوزان السياسية منذ عهد المتصرفية.


حالفت الست نظيرة الكتلة الوطنية تحالفا كان له أثر إيجابي على استقرار الجبل وعلى موقع المختارة والدروز في لبنان الكبير، ومكـّـن الغرضية الجنبلاطية من اختراق القاعدة الشعبية المسيحية في جبل لبنان. ليس سهلا أن تنتمي إلى المختارة، سياسيا، عائلات مسيحية بأكملها بعد ستين عاما فقط من الفتنة الطائفية الكبرى التي ابتلي بها الجبل. وقد تعرّض تحالف الست نظيرة مع تيار اميل إدّه إلى النقد، بسبب مواقف الرئيس ادّه السلبية من الاستقلال وعلاقات لبنان بمحيطه العربي وموقع المسلمين في الكيان اللبناني. وأودّ أن أورد هنا أن المغفور له منح الصلح كان يقول لي أن رياض الصلح كرّر أمامه مرارا أنه كان يتمنى لو كان شريكه في الميثاق الوطني الزعيم الأكثر تمثيلا للمسيحيين، أي اميل اده، مما كان سيعزز الاتجاه الاستقلالي في البلاد.


أمّا موقف سيّدة المختارة من ثورة سلطان باشا الأطرش ضد الفرنسيين فلطالما تعرّض لسهام الاتهام والتخوين.


دفعني كتاب الدكتور إشتي إلى استذكار الجدل القديم حول موقف الست نظيرة هذا والخلاف على تقييمه بالمعايير الوطنية. ولا أنفي أنني شعرت مجدّدا، خلال قراءة الكتاب، بالانحياز إلى ثورة سلطان باشا واعتزازي بها، كثورة وطنية يقودها علم من أعلام الدروز ضد سلطة أجنبية، باسم سوريا كلها ولأجل استقلالها. ولا أخفي سروري لتفاعل دروز جبل لبنان مع دروز سوريا في ذلك الوقت. والسبب أن الدروز أقلية تتميّز بخاصيّة لا تتشارك بها مع كل الأقليات. فهاجسها هو عدم التقوقع والانعزال، بل الاتحاد مع باقي المكوّنات الوطنية، والتفاعل الكامل مع الأكثرية العربية والإسلامية.
إن فكرة الكانتون الدرزي التي كنا نسمع بها خلال الحرب الأهلية كانت كابوسا للدروز قبل أن تكون تهديدا لسواهم. وفكرة الدويلة الدرزية التي كثيرا ما يقال أنها مشروع اسرائيلي، يعتبرها الدروز نحرا لهم ولتاريخهم وثقافتهم، من شأنها أن تحكم عليهم بالتخلف الأبدي وتحوّلهم حرّاسا لحماية اسرائيل. فالدروز يريدون أن يكونوا أقلية تحافظ على معتقداتها وتقاليدها، إنما في محيطهم الوطني، وضمن الأكثرية وبالانسجام الكامل معها.


في المقابل، لا يمكن تجاهل وجاهة الأسباب التي أملت على الست نظيرة موقفها إبان الثورة السورية. فهي لم تكن ضد جهاد الدروز السوريين، أوتمانع حتى في تعاطف دروز لبنان معهم، بل كانت ترفض امتداد الأعمال المسلحة إلى جبل لبنان، وتحويله ساحة جهاد ضد الفرنسيين. فظروف جبل الدروز السوري تختلف عن ظروف الجبل اللبناني، الذي يتميّز بالتنوّع الطائفي، وبقابليته للتحوّل ساحة نزاع دموي، ويوم تسلمت الزعامة لم يكن قد مضى على فتنة القرن التاسع عشر أكثر من ستة عقود.


لقد تحمّلت نظيرة جنبلاط المسؤولية واتخذت القرار، ولم تعبأ بالانتقادات التي تعرّضت لها، مثلما فعلت في خياراتها السياسية الأخرى، المثيرة للجدل. ولا شك بأنها رحلت راضية عمّا حققته، والهدف الذي أنجزته، فقد تمكنت من حفظ الدور القيادي للمختارة، وسلمت الأمانة، عندما حان وقت تسليم الأمانة.


غسان العياش- النهار

POST A COMMENT