كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

بيئة

«قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت»..!

Thu,Jul 05, 2018

الحيوانات النَهمة مشغولة دائما بالأكل وممارسة القتل، حياتها معادية حقًا للفلسفة والموسيقى، بينما الحيوانات الأكثر نبلًا، والأكمل، لا هي تأكل، ولا هي تمارس القتل على الدوام. *الطبيب والفيلسوف اليوناني جالين..

لقد أصبحنا بشرًا عندما تعلمنا الطهو، هذا ما يعتقده بعض علماء الإنسان (الأنثروبولوجيين)، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطهو الطعام، أما بقية الكائنات فتأكله نيئًا، أهم مميزات الطبخ الجوهرية هو أنه يوفر علينا مهمة المضغ، المضغ الكثير، فبينما أنت تعد وجبتك وتأكلها في حوالي 30 دقيقة، هناك رئيسيات تشترك معنا في الصفات الوراثية تقضي معظم ساعات النهار في المضغ. لو كان الإنسان مثلها لما وجد وقتًا للعمل من الأصل، لهذا يبدو الطهو سببًا حيويًا في جعلنا بشرًا.

الطعام ليس احتياجًا جسديًا فقط، إنما له مدلول ثقافي، وعاطفي، ودينيّ أيضًا، وفي القرنيّن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا كان للطعام مدلول طبقي، لتفرقة «الصفوة» عن العامة، وفي القرن العشرين أصبح لكل بلد طعام مميز، فعندما تذكر المكرونة فأنت تعني إيطاليا، وعندما تذكر البرجر، فأنت تعني أمريكا.

تمتلك الرئيسيات أمخاخًا صغيرة، بسبب تناولها للطعام النيئ، ويمتلك آكلو النباتات أسنانًا حادة، وأنيابًا طويلة. ووفقًا للمؤمنين بنظرية التطور، فقد كان أسلافنا قبل أن يتخذوا الشكل البشري في السير بجسد منتصب، يحملون صفات القردة البعيدة عن البشر. فما الذي حوّل أسلاف البشر أشباه القردة العليا منتصبي القامة، إلى كائنات تحمل الهيئة البشرية التي نحن عليها الآن؟ ناقش هؤلاء العلماء كثيرًا الطريقة التي تطور بها النوع البشري، والبعض الآخر بحث في أن سبب التطور قد يكون نوعية الطعام الذي أكلوه.

كيف بدأ الطهو؟
تقول الأسطورة الإغريقية إن برومثيوس سرق النار من جبل الأولمب، وأعطى منها قبسًا للبشر، النار التي لم تكن موجودة لمتنا جميعًا، والتي قال عنها داروين إنها «أعظم اكتشاف حققه الإنسان بعد اللغة».

هناك خِلاف بين العلماء على تاريخ بداية الاستخدام المنتظم للنار في الطهو، يرى بعضهم أن النار استخدمت بانتظام في الطهو حتى العصر الحجرى الأعلى، قبل حوالي 40 ألف سنة، وهو الزمن الذي عرف فيه البشر الكهوف، ويرى آخرون إنه يرجع لنصف مليون عام سابقة.

عالم الأنثروبولوجيا ريتشارد رانجام يحكي قصة تعرف الإنسان على الطهو التي اعتمد فيها على سجل الأحافير، بدأت القصة باكتشاف النار، ثم اكتشاف «إنسان الهابيلان» (الهوموهابيلس الذي عرف طريقة صنع الأدوات الحجرية واستخدامها، ويعُده البعض الحلقة المفقودة بين الإنسان والرئيسيات، وقد عاش قبل حوالي 2.3 مليون عام) أن الطعام الذي سقط في النار عندما شب حريق قد تحسّن طعمه، وهو ما قاده فيما بعد إلى اختراع الطهو.

ظهر بعد ذلك الإنسان المنتصب أكثر الأجناس شبهًا بنا وفق بعض الآراء العلمية، قبل 1.9 مليون عام تقريبًا، وواصل الأخير التطور بفضل اعتماده على الطهي، ثم تحول إلى «إنسان هايدلبرك»، قبل حوالي 900 ألف عام، وهو شكل ضخم من الصورة الأخيرة للإنسان، التي تبلورت قبل 200 ألف عام، وعُرفت بالانسان العاقل.

يقول البروفيسور تارفيس بيكرنك أن هناك نوعًا من أسلاف البشر يُطلق عليه «الأوسترالوبيثيوكوس»، اعتُبر سلفًا للإنسان لأنه منتصب القامة، فيما عدا ذلك فهو يشبه القردة العليا، له دماغ صغير نسبيًا، ووجه كبير بارز. بعدما حصل تحول وظهر «الإنسان الماهر أوالهوموهابيلاس» وُجد أن هناك توسعًا في الدماغ عن «الأوسترالوبيثيوكوس» بنسبة 30%، وصغر في حجم الوجه الذي ينطوي تحت الجمجمة. أما «الهومواريكتوس» أو الإنسان المنتصب فقد كان له دماغ كبير بشكل ملحوظ، والدلائل تشير لأنه كان صيادًا ماهرًا.

فماذا كان سبب هذا التطور؟ الجواب موجود على مائدة طعام أسلافنا، فنجد أن «الأوسترالوبيثيوكوس» كان غذاؤه هو الفواكه والخضروات، حاولت أخصائية التغذية لين جارتن الرجوع إلى حالة الـ«الأوسترالوبيثيوكوس»، فقامت بتجربة بأن جعلت ثمانية أشخاص يتغذون على الخضروات والفواكه لمدة أسبوعين، كانت النتيجة هي أنهم يمكثون أغلب وقتهم في مضغ الطعام، أما نوعية الطعام نفسه فهي لا تمدهم بالطاقة الكافية ولا تشعرهم بالشبع، وخلال الأسبوعين كانوا قد فقدوا حوالي خمسة كيلوجرامات من وزنهم، لكن على المدى الطويل قد يموتون من سوء التغذية، وكانت التجربة دليلًا على أن الإنسان المعاصر لا يستطيع البقاء فقط اعتمادًا على الفواكه والخضروات.

لماذا نأكل الطعام مطبوخًا؟
أدى الطهو إلى تحسن الطعم وإكسابه الليونة، وسهولة وسرعة هضمه، فالطعام المطبوخ يقلل تكلفة الهضم، فما يكفي الإنسان من طاقة يكتسبها من الطعام المطبوخ، أما الطاقة الفائضة التي يحولها الجسم لباقي الأعضاء المختلفة، فقد استُخدمت لزيادة حجم المخ، لأن المخ يحتاج إلى قدر كبير من الطاقة أكثر من أي عضو آخر، لم يكن الطعام النيئ ليوفرها له، كذلك فالطعام المطبوخ قد أدى إلى صغر حجم الجهاز الهضمي، لأن عملية الهضم لم تعد شاقة، هذه الطاقة وجهها الإنسان للصيد وبناء المجتمع والعلاقات أيضًا.

كما أثبتت الدراسات أن النساء اللواتي يعتمدن على الطعام غير المطبوخ فقط لمدة طويلة، يصبن بانقطاع الطمث؛ وذلك لأن الجسم لا يحصل على الطاقة اللازمة التي تُهيئه للحَمل. لأن الطعام المطبوخ يزيد من كمية الطاقة التي يكتسبها الجسم.

يقول عالم الرئيسيات البريطاني ريتشارد رانجهام في كتابه «قدحة النار.. دور الطهو في تطور الإنسان» أن الطهو زاد من قيمة طعامنا، وغيّر أجسامنا، وأدمغتنا، واستخدام الزمن، وحياتنا الاجتماعية، وحوَّلنا إلى مستهلكين للطاقة الخارجية، وبذلك خلق كائنات حية لها علاقة جديدة مع الطبيعة، كائنات تعتمد الوقود مادة أساسية في حياتها.

مثلما ساهم الطهو في تطور الإنسان، ساهم التقدم التكنولوجي في تطور فن الطهو الذي يعتمد أساسًا على التفاعلات الكيميائية، بعد النار استخدم الإنسان الماء في الطهو، واحتاج ذلك تقدمًا تكنولوجيًا كبيرًا، حين استطاع الإنسان صنع أوعية لا تحترق بالنار، وأوعية فخار، ثم استخدم الماء في الطهو الذي يسمح للبهارات والتوابل في إخراج نكهتها، ويحلل الألياف الموجودة في النباتات والحيوانات، ويحولها إلى سائل. ثم تطورت الأدوات المطبخية تطورًا دراميًا إلى الميكروويف، والثلاجات التي تحكمت فيما نأكل وكيف نأكله.

الطهو كوظيفة.. من سيطبخ؟
كلمة سيدة (lady) مشتقة من الكلمة الإنجليزية القديمة التي تعني عاجنة الخبز، أما كلمة سيد (lord) مشتقة من الكلمة الإنجليزية القديمة التي تعني حامي الخبز. هاتين الكلمتين تمثلان تمامًا، علاقة الرجل والمرأة بالطبخ.

اقترن الطهو دائمًا بالنساء، تحديدًا في 97.8% من المجتمعات. وهناك بعض الحضارات اقترن فيها الطهو بالرجال لأن الرجل اقترن بالقتل، والطهو في النهاية نوع من أنواع القتل. فنجد أن أبطال ملحمة الإلياذة والأوديسة يقيمون الذبائح ويطهون الطعام، ولم يكن الطهو عندهم عملًا ذو مكانة متدنية، كما أن هناك مجتمعات أخرى اشتهر فيها الرجال بالطبخ: هي قبائل التودا في جنوب الهند، الساموريون، الماركيزيون، والتروكيز.

لكن في معظم المجتمعات كان الطهو ولا زال إلى حدٍ كبير هو مسؤولية النساء، أحد الافتراضات تقول إن السبب المباشر في ذلك هو أن الإنسان الصياد كان يجلب الطعام للكهف، وهذا دوره، وفي المقابل كان دور الأنثى هو إعداد الطعام وطهوه، في بعض الأحيان كان الرجل يطهو لمجموعة من الناس في الغابات، لكن في البيت أو الكهف بالأصح كان من يطهو هي الأنثى، فهي مسألة تبادل مصالح. هذه العلاقة بحسب رانجهام هي الشكل البدائي للزواج، اقتران فردين لحل مشكلة الغذاء والتنافس عليه ، الرجل يحمي الأنثى من الذكور الجياع الذين قد يسرقون الطعام، والأنثى توفر له وجبة يومية بعد رحلة الصيد الشاقة.

كان ذلك حتى خرجت النساء للعمل، ولم يعد تبادل المصالح ذا قيمة كبيرة،  وظهرت حركات نسوية تدعو من ضمن ما تدعو أن النساء لم يخلقن للطبخ فقط، مثل حركة «Spare Rib الضلع الاحتياطي»، في بريطانيا في عام 1970. وازدهرت بالتبعية  صناعة الأطعمة المعلبة سريعة التحضير، التي كانت معدة بالأساس للجنود في الحرب العالمية الثانية. هناك علاقة طردية تكمن بين العمل والصناعات الغذائية والوجبات السريعة. فنجد أن بلدًا مثل أمريكا تخدم مطاعم الوجبات السريعة بها يوميًا 50 مليون فرد. ولم يعد أحد يصطف حول النار لشواء حيوان وأكله.



ساسة بوست

POST A COMMENT