كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ابرز المواضيع

الوهمي والحقيقي في الأزمة المالية وتقرير "غولدمان ساكس"!

Fri,Jan 11, 2019

ماذا لو قرّر لبنان إعادة هيكلة الدين العام؟ بمعنى آخر، لو قرّرت الحكومة - في سيناريو افتراضي- أن تسترد جزء من سندات دينها من الدائنين، بعد حسم جزء ما من قيمة الدين، ما هي القيمة التي يمكن أن يسترّدها الدائنون من هذا الدين؟ وأي خسائر ستترتّب عليهم؟
 
هذا ما قرّر مصرف غولدمان ساكس أن يجيب عنه في تقرير تحليلي خاص.
 
أدوات التصحيح
ينطلق التقرير من اعتبار أن نسبة الدين للناتج المحلّي، يجب أن تكون عند مستوى الـ50 في المئة، لضمان إستدامة هذا الدين، بينما تتجاوز هذه النسبة اليوم مستوى الـ150 في المئة. ويتحكّم بهذه النسبة عمليّاً ثلاث عوامل: مستوى العجز أو الفائض في الميزانيّة العامّة، ومعدّلات النمو الاقتصادي، ونسبة الفائدة في السوق. وحسب التقرير، فمن غير الواقعي تأمّل انخفاض نسبة الدين للناتج المحلّي، من خلال فائض في الميزانيّة أو ارتفاع في مستويات النمو الإقتصادي، بالنظر إلى الحاجة إلى أرقام غير منطقيّة على هذا المستوى للتصحيح، كما لا يمكن معالجة هذا الخلل من خلال التحكّم بمعدّلات الفوائد.
 
وبعد استبعاد الأدوات التقليديّة للتصحيح، ينطلق التقرير إلى مراجعة الأدوات غير التقليديّة، وبالتحديد عمليّة إعادة هيكلة الدين، من خلال استرداد الحكومة لجزء من سندات دينها في السوق، بعد حسم نسبة معيّنة من قيمتها. ولبلوغ نسبة الدين للناتج المحلّي مستوى الـ50 في المئة، يقتضي أن تحسم الدولة 65 في المئة من قيمة سندات الدين، مقابل أن تدفع 35 في المئة فقط من قيمتها لحملة السندات. بمعنى آخر، يسترد كل مستثمر من حملة هذه السندات 35 سنت من أصل كل دولار يستثمره فيها.
 
هنا يقف التقرير أمام إشكاليّة كبرى، فالمصارف تستثمر ما يوازي ضعف رؤوس أموالها الخاصّة في سندات الخزينة اللبنانيّة، من خلال أموال المودعين. وبالتالي، فأي اتجاه لاسترداد سندات الخزينة، وحسم جزء من قيمتها، سيعني عمليّاً إفلاس القطاع المصرفي. وبالنظر إلى دور القطاع التقليدي في تغطية عجز الميزانيّة العامّة عبر تسليف الدولة، فالتقرير استبعد إجراء هذه العمليّة على نحو قسري وبهذا الشكل.
 
لكنّ التقرير لفت من ناحية أخرى، إلى وجود سيناريوهات أخرى لإعادة هيكلة الدين، عبر فرض قيود معيّنة على مغادرة الودائع، ومن ثم إجراء عمليّة حسم لقيمة سندات الدين، بما يطال قيمة الودائع نفسها، وهو ما يحمي إلى حدّ ما القطاع المصرفي من سيناريوهات الإنهيار. لكنّ هذه النوع من العمليّات مستبعد أيضاً، بالنظر إلى مخاطر السمعة، التي قد تطال القطاع المصرفي على المدى الطويل، نظراً إلى أهمية تحويلات المغتربين وودائعهم للإقتصاد المحلّي.
 
تهويل وتحذير
في الشكل، يظهر أن تقرير غولدمان ساكس يخطو بجرأة لمناقشة علاجات مؤلمة، لكن محتملة على أبواب تعقّد الأزمة الماليّة. لكن في المضمون، يبدو أن التقرير يحاول أن يستبق أي حديث عن هذه العلاجات، عبر التهويل والتحذير من الخيارات، التي يمكن أن تمس بأرباح حاملي سندات الدين الحكومي. وهو ما يظهر بوضوح من نتائج الدراسة التي أخذت أكثر الاحتمالات تطرّفاً، عند الحديث عن إعادة هيكلة الدين الحكومي، لتعظيم نتائجها على القطاع المصرفي. وهو ما أدّى في خلاصة التقرير إلى استبعاد إحتمالات إعادة هيكلة الدين العام، وتحديداً بسبب مخاطر هذا النوع من العمليّات على المصارف.
 
ومن الطبيعي توقّع هذا الإتجاه في التقرير، خصوصاً أنّه صادر عن مصرف مرتبط، بشكل وثيق، بمصالح صناديق الاستثمار والمصارف الحاملة لسندات الدين السيادي اللبناني. وهو ما يفسّر أساساً إهتمام المصرف نفسه بمناقشة مآلات الأزمة الماليّة اللبنانيّة، ومستقبل سندات الدين الحكومي اللبنانيّة. مع العلم أن المصرف نفسه أصدر تقريراً بنهاية الشهر الماضي، حذّر فيه من احتمال الإنهيار في عدم القدرة على تحفيز نمو الودائع والتدفّقات من الخارج مجدّداً.
 
سيناريوهات
في النتيجة، يبدو أنّ أهم ما في التقرير، هو مراقبة تحوّل المصرف من مناقشة إحتمالات الإنهيار في نهاية السنة الماضية، إلى الشروع بمناقشة سيناريوهات ما بعد تعقّد الأزمة. بمعنى آخر، بتنا أمام نقاش جدّي حول توزيع الخسائر. وبمعزل عن إنحياز مصرف غولدمان ساكس لشبكة مصالحه في هذا الظرف، أصبح من الطبيعي أن يكون هذا الأمر محل نقاش جدّي وعلمي، على المستوى الإقتصادي في المرحلة المقبلة.

 

 

علي نور- المدن

POST A COMMENT