كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ابرز المواضيع

في ذكرى انطلاقة جمول: من الهوية الوطنية، الى كوريدور طهران –بيروت!

Wed,Sep 13, 2017

تأتي ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في مرحلة دقيقة يعيشها لبنان والمنطقة ،وثمة الكثير من المؤشرات تظهر ان المسار الذي سلكه الوضع اللبناني ، منذ منتصف الثمانينات ، ليس لمرحلة انقضت فحسب ، بل هو ذو صلة وثقى بمسار الوضع اللبناني في الآتي من الأيام.

 

بين الانطلاقة الواعدة لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ،وبين المآل الذي انتهت إليه المقاومة الإسلامية ، بنية ، وبرامج، وتوجهات سياسية ، واهداف ، بون شاسع ، يعود الى جملة أمورومعطيات مجتمعة.

 

لا بد من الإشارة بداية ، الى ان اللبننة الوطنية الشاملة لمعركة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، والتي جرى التعبير عنها ، من خلال صيغة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، كانت من الناحية الموضوعية، فعل التزام بالطابع الوطني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، وهي في الوقت عينه، فعل تأكيد والتزام بعروبة لبنان، كجزءمن جبهة المواجهة مع العدو الإسرائيل .

 

في المرحلة الأولى من انطلاقتها وحتى إنجازها التحريري المتمثل في اجبار قوات الاحتلال الإسرائيلي، من معظم المناطق المحتلة، وصولا إلى الشريط الحدودي، لم يكن ثمة تناقض بين بنية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ، وبين الطابع الوطني الشامل للمقاومة ،ولم يكن ثمة تناقض بين هذا الطابع الوطني وبين التعريب، ما دامت المقاومة تستدرج من موقع وطني لبناني، استقطابا شعبيا واسعا في المنطقة العربية، وتقدم نموذجا حيا للمواجهة مع الإمبريالية والصهيونية ،كجزء من المواجهة العربية مع العدو الاسرائلي.

 

 

لكن المشكلة بدأت في الواقع ،مع إعادة تنسيب المقاومة الى طائفة بعينها ، اي انها بدأت مع تضييق آفاقها الوطنية، وتحجيم أبعادها القومية، ودورها وموقعها في الصراع العربي الإسرائيلي، واغراقها في قوانين الحرب الأهلية، مع كل ما يعنيه ذلك من انحدار بالمقاومة ،الى ما دون مستوى اللبننة الوطنية من ناحية، وربطها بمشاريع لعناصر من خارج مكونات المنطقة ومعطياتعا التاريخية، من ناحية ثانية ، وإلى مثل هذا التضييق تنتسب معظم التداعيات التي شهدتها القضية الوطنية اللبنانية منذ منتصف الثمانينات وحتى اليوم .

 

احتكار حزب الله للعمل المقاوم لم يكن كما درج الحزب طويلا على الترويج له ، بأنه نتيجة تقاعس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وانسحابها الطوعي من الميدان ، بل كان نتيجة عمل مدروس لتصفية تلك المقاومة، قام به حزب الله بقرار ايراني – سوري لا لبس فيه ، ولا داعي هنا لاستعادة سيل الوقائع والحقائق، التي تدحض زعم التقاعس والانسحاب ، مع التأكيد هنا، ان الدافع الى الاحتكار، كان أولا وأخيرا قرارا سياسيا بامتياز ، وان غايته الاولى، كانت تسعى إلى توظيف قرارا المقاومة في أجندة إيرانية- سورية مشتركة ،وبحيث يمكن الامساك بهذه الورقة ،وادراجها تحت سقف ا لاعتبارات و السياسات الإقليمية، وتغليب هذه الاعتبارات على المصالح الوطنية اللبنانية عند تضارب وتزاحم المصالح .

 

هذا الجانب ، لا يلغي بالطبع الدور الوطني للمقاومة الإسلامية في مقارعة الاحتلال، والإنجاز النوعي ، الذي سجلته في معركة التحرير ، خصوصا في فصلها الأخير ،بأجبار قوات العدو الإسرائيلي على الانسحاب من لبنان من دون قيد أو شرط ، غير أن ذلك ليس من شأنه أن يحجب معطيات تكوينية ثلاثة، رافقت مشروع المقاومة الإسلامية ، ولما تزل ،ترمي بكامل ثقلها، وتحكم المسار الذي يسلكه الوضع اللبناني منذ مدة طويلة وحتى اليوم.

 

هذه المعطيات تتمثل ، أولا بطبيعة الصيغة التي اعتمدتها المقاومة الإسلامية للوضع اللبناني ، وثانيها ان المقاومة ذات وظيفة إقليمية ، وثالثها انها غير مجهولة المرجعية العليا المقيمة في إيران .

 

في ما خص المعطى الأول، فان واقع بنية المقاومة الإسلامية وخيارها السياسي في جانبه المتعلق بالأزمة الداخلية اللبنانية، وفي رؤيتها التي تحاول ان تعيد صوغ الوضع اللبناني والوحدة اللبنانية، على اسس طائفية، وما ينتج عن هذه الرؤية من سعي مديد الى تحسين دورها وموقعها في المعادلة الطائفية اللبنانية ،خصوصا مع تمكنها من التحكم بالخيارات السياسية الكبرى للطائفة الشيعية ،سواء برضا الطائفة أو رغما عنها ، وسعيها الى تكريس طائفة ملكة ، تحظى بدور شبه مقرر في معادلة السلطة . ان هذا الخيار أفضى الى صيرورة المقاومة جزءا من قانون الصراع الطائفي والمذهبي ، الذي يلف الوضع اللبناني، ففي حين استقبلت هذه المقاومة مضاعفات مسار طوائفي لبناني ، ما زال يتوالد على غير انقطاع، فإنها في الوقت عينه، تسهم ، لا بل إنها آلت في اللحظة الراهنة ، الى ان تشكل العامل الأساس، في حقن هذا المسار، بعوامل متجددة من الانقسامات الطائفية والمذهبية.

 

وثاني هذه المعطيات يتمثل في الجانب الاقليمي لموقع المقاومة، ودورها، وما استجرّه ذلك ،موضوعيا ،من عوامل تضغط في اتجاه إدخالها في دائرة المعادلات الإقليمية ،وقوانينها ، وتجاذباتها ، وقد تضاعف حجم هذا الموقع ودوره، كما موجبات ادخاله في دائرة التجاذبات الإقليمية، تباعا منذ حرب الخليج الثانية ، وصولا إلى انخراطه في الأزمة السورية المندلعة منذ ست سنوات.

 

ففي ضوء نتائج معركة الخليج الثانية ،وما أعقبها من توجه لتنشيط التوجه الاميركي لعقد تسوية للصراع العربي الإسرائيلي ، وتقاطع والتقاء المصلحة المشتركة ألايرانية – السورية حول تثبيت و ترسيخ الامساك بورقة المقاومة، التي يمكن من خلالها تأكيد الحضور الإيراني في سياسات المشرق العربي من ناحية ، كما عكس وتأكيد الرغبة السورية في الامساك بورقة المقاومة وادراجها في سياق نهج الممانعة من ناحية ثانية .

 

ان اعتبار القضية الوطنية اللبنانية ، جزءا من المواجهة العربية مع العدو الإسرائيلي ، يترتب عليه بكل تأكيد، صيرورتها قضية لبنانية ، مفتوحة على الأفق العربي الأوسع.

.

نشدد على هذه الحقيقة، خصوصا فيما يشهد الاقليم، تغييرا كبيرا في طبيعة المعركة الدائرة على صعيد المنطقة برمتها ، وتغييرا في سلم أولوياتها ،التي تتقدم الصراع العربي الإسرائيلي، وتعلو قضية فلسطين ولبنان . ان ارتسام خط الانقسام السياسي بين معسكرين على الصعيد الاقليمي، وتموضع هذا الخط فوق بيئة إقليمية، تزخر بحقائق صارخة من الانقسامات الطائفية والمذهبية والاثنية ، كل ذلك يفسح في المجال امام قوى إقليمية ودولية ومحلية، باستغلال هذه الانقسامات والضرب على اوتارها، وتوظيفها كواحد من أسلحة الصراع المفتوح على مصراعيه في المنطقة .

 

لقد شكل حزب الله محور استقطاب شعبي لا يجارى في المنطقة العربية، بعد تحرير العام الفين، وكذلك اثر اندلاع حرب تموز ،وتعاطف معه يومذاك ، جمهور سني عربي ممتد في امتداد المنطقة العربية ، لكن هذا الاستقطاب تبددت عناصره تباعا، بقدر ما اخذت الصفة المذهبية الخاصة للحزب تبرز على حساب صفته الوطنية العامة، وبقدر ارتسام علاقاته العضوية بسياسات المحور الإيراني ، وبقدر انخرطه في الأزمة السورية دفاعا عن نظام استبدادي أقلوي ، يقتل شعبه المتشكل من أكثرية سنية ،كل ذلك ساهم في انفراط عقد التعاطف الشعبي الهائل مع حزب الله على المستوى العربي .

 

وثالث هذه المعطيات ، ان المقاومة الإسلامية وكما يتردد تكرارا على لسان اصحابها ،غير مجهولة المرجعية العليا المقيمة في ايران، وهي جزء عضوي من مؤسستي الحرس الثوري الايراني ،والمرجعية الدينيةالمتمثلة بولاية الفقيه ، وهي بهذا المعنى تشكل جزءا عضويا من ” الصحوة الإسلامية ” ، وجزءا من الصراع الشامل الذي يشكل لبنان “ساحة من ساحاته ” الممتدة من الخليج، وفي رواية أخرى من أفغانستان، الى منطقة الشرق الأوسط ، وصولا إلى سائر أرجاء المعمورة ، بكلام آخر تبدو القضية الوطنية اللبنانية والحال هذه ، لا تعدو كونها، قضية تكتيكية، تقابلها قضية استراتيجية، تتمثل في صراع “الحالة “التي لا حدود لها، وليس غريبا والحال هذه ،ان تصبح القضية الوطنية اللبنانية ، عمليا ،وكما أثبت مسلسل الوقائع ، معطى تكتيكيا ، لا ضير من التضحية به ، حفاظا على المصالح والاعتبارات الاستراتيجية، وتقديم هذه الاعتبارات على الاعتبارات الوطنية.

 

هذا الجانب ، اي طغيان التوظيف لحسابات تتصل بمصالح المحور الإيراني- السوري ، لم يلغ بطبيعة الحال، وفي كل الاحيان، الدور الوطني اللبناني في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي، ولطالما كرر حزب الله، أننا نقوم بواجبنا الوطني اللبناني في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي ، وفي تحرير الارض ، ولامأخذ علينا في ان تستفيد ايران وسوريا من عملنا ، لا بل سنكون مسرورين اذا استطاع حلفاؤنا الاستفادة من ذلك ، بيد ان المشكلة لا تكمن في استفادة الحلفاء، وانما في ثنائية السلطة في لبنان ، وفي امتناع استفادة الدولة اللبنانية ،عندما تقرر الا خيرة ، أن تكون كاملة الحضور ، ، نتيجة اصرار المقاومة الاسلامية على استقلاليتها عن الدولة ، تحت عنوان ان الدولة القوية لم توجد بعد ،ولنا عشرات الأمثلة على ذلك ، والمشكلةتكمن الى ذلك ، في توظيف المقاومة الاسلامية كجزء عضوي من محور اقليمي محلي ، له اعتباراته ومصالحه التي تتقدم المصلحة الوطنية اللبنانية وتعلو عليها ، في مواجهة محور اقليمي آخر ، وكلا المحررين غير منزهين عن المأزق الذي ما زال الوضع اللبناني يدور في إساره.

 

ما عرضناه ، يعكس السياق الداخلي والاقليمي ،الذي عملت المقاومة الاسلامية وتتحرك في اطاره ،كما يعكس المضاعفات والتداعيات، التي قضت بتصفية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ، التي شكلت نموذجا حيا للمواجهة مع الإمبريالية والصهيونية ،يتجاوز نهج الممانعة ،الذي فرض إعادة تنسيب المقاومة الى طائفة بعينها ،والتي ساهم بعض اهلها في النزول تحت احكام سقف هذا النهج ، والتزموا وما زالوا بالنزول تحت سقف مقتضياته واعتباراته .

 

وإلى مثل هذه التداعيات ، ينتسب اليوم ، ما نشهده في الراهن اللبناني ، من أزمة متزايدة ، تعصف بلبنان وتحفر عميقا ،في واقعه ، وتترك آثارها المدمرة ، على غير صعيد سياسي واقتصادي واجتماعي ، وإلى مثل هذه التداعيات ، ينتسب كل ما نشهده اليوم، من تعاظم قدرة العوامل الإقليمية والدولية ، في التأثير ، في المعادلة الداخلية اللبنانية ،من مختلف البوابات الاقليمية والدولية .

 

تزامنا مع ذلك ، ثمة من يدق ناقوس الخطر في الراهن اللبناني، من لعبة التسابق ، على إثبات أن لبنان ،جزء من المحور الإيراني ،المتمد من طهران إلى بيروت ، فيماحزب الله يسعى الى المزيد من أحكام قبضته على القرارالسياسي الوطني، الداخلي والخارجي ، ويتخطى الحدود كقوة ذات وظيفة إقليمية، يقاتل في الداخل، وفي الخارج ،حيث يشاء ،وحين يشاء ، تحكما بقرار السلم والحرب، وتدخلا عسكريا وا منيا ، من سوريا، الى العراق، الى البحرين، فاليمن، وما يشكله ذلك من تداعيات على لبنان ومصالحه الموضوعية مع محيطه العربي ، ثم هو يتفاوض تارة باسمه، وطورابغطاء من الدولة ،ثم تارة بتغطيه من الحكومة ورئيسها ، و طورابتغطية من رئيس الجمهورية .

 

المتابعون لمجريات تطورات المنطقة ، يحذرون من مرحلة عصيبة ، تنتظر لبنان ،في ضوء الاستعدادات لصدورقرار اميركي -خليجي واضح لتحجيم حزب الله ، وفرض نسخة جديدة من العقوبات ضده ،ووضعه على اللوائح السوداء، وما يؤول اليه ذلك، من تداعيات قاسية على الوضع المالي والاقتصادي للبنان .

 

خلاصة القول هنا ، ان حزب الله ،هو جزء عضوي من الأزمة الوطنية المفتوحة ،وهو جزء عضوي من سياق اقليمي ، لا يقدم أي تبرير للاعتقاد ، بإمكان التوصل إلى تسوية سياسية متوازنة للازمة اللبنانية المفتوحة تحت وطأة المشاريع الطوائفية المتناحرة ، والمجتمعات المذهبية المتقابلة .

 

فؤاد المقدم- جنوبية

POST A COMMENT